يمثل السودان العمق الإستراتيجي العربي الإسلامي في القارة الأفريقية ، وذلك لمجاورته لكثير من دول أفريقيا ،وهذا مما يدعو للإهتمام به والحرص عليه خاصة وهو محاصر من الغرب ومن بعض الدول العربية .
إن مساحة السودان الواسعة واكتشاف النفط وغيره من المعادن جعل الأطماع تتجه إليه ، أطماع اقتصادية وسياسيه ، وبوابة هذه الأطماع هي مشكلة الجنوب ثم جاءت مشكلة دارفور لتتفاقم الأمور على حكومة الإنقاذ ، فما الذي جرى حتى وصلت السودان الى ماهي عليه الآن .
في عام 1989 قامت الحركة الإسلامية ( الجبهة الإسلامية القومية ) بانقلاب عسكري أطاح بالحكومة المدنية التي يرأسها الصادق المهدي ، وسمي هذا الإنقلاب ب( ثورة الإنقاذ ) والحركة الإسلامية في السودان تطورت وانتقلت من (الأخوان المسلمين ) الى جبهة الميثاق الإسلامي ،ثم الجبهة الإسلامية القومية.
في السنوات الاولى من الانقلاب قبل الرئيس عمر البشير أن يكون جزءا من مجموعة ااتخاذ القرار التي يترأسها حسن الترابي، بل إن بعض القرارات الهامة كانت تصنع من وراء ظهر البشير، لأن الحلقات التنظيمية التي يقودها الترابي كانت تتخلل كل مرافق الدولة ولا يدري البشير عنها شيئا. ثم كان الخطأ الكبير التي وقعت فيه هذه الجبهة هو أنها حلت نفسها لتذوب في حزب المؤتمر الوطني ليصبح هذا المؤتمر هو الكيان الجامع لأهل السودان كما كان يخطط له، وكان هذا الحل بإشارة من الترابي قدمه قربانا للسلطة لأنه يريد الانفراد بهذا الحزب وإبعاد (رفقاء الدرب) شيوخ الحركة الاسلامية حتى لا يكون لهم دالة عليه وعلى الحكومة ولا ينغصون عليه مشاريعه واَراءه (ونحن هنا نتكلم عن الترابي السياسي ولا نتكلم عن جذوذاته الكثيرة والكبيرة في العقيدة والفقه) جمع الترابي عؤلاء الشيوخ في منزله وشكرهم على جهودهم ثم أعطى كل واحد منهم مصحفا (ليجلسوا في بيوتهم).
الاصل أن تكون الجبهة أو الحركة هي الحاضنة للحكومة أو عصبيتها بتعبير ابن خلدون، وأن يبقى مشروعها الدعوي التربوي، وتفرز القيادات التي تساعد الحكومة، هذا هو الشيء النظري وإن كانت الأمور لم تسر كما يجب لا من ناحية الجبهة ولا الحكومة. وإذا كانت الجبهة حلت نفسها فإن بقية الاحزاب والتكتلات لم يحلوا أنفسهم، وسيدخل بعضهم في المؤتمر الوطني ويزاحموا المؤسسين، وستذوب الحركة في المؤتمر ومشاكله السياسية والادارية، وفي مثل هذه الاحوال فإن أعضاء الحركة الذين يشكلون الجسم الاساسي في المؤتمر الوطني سيحاولون التخفف من البرنامج الاسلامي لإرضاء الاخرين.
كانت طريقة الترابي الاستفزازية ومحاولته جمع كل الخيوط بيده، وإبعاد الكبار من ما حدا بعشرة من قياديي الجبهة تقديم مذكرة لإصلاح الاوضاع ولحد من هيمنة الترابي وإعطاء البشير الصلاحيات التي يجب أن تكون له واستطاعوا تطبيق ما يريدونه، وبعد أن فقد الترابي موقعه من رئاسة البرلمان المحلول انتقل إلى موقعه كأمين عام للمؤتمر الوطني، وسعى إلى معركة ساخنة مع البشير لعل الاخير يستقيل ونسي أن السلطة التنفيذية تملك في العادة من الوسائل ما تتغلب به على خصومها، ووجد نفسه أخيرا لا يستطيعوا دخول البرلمان، ولكن الترابي ليس من النوع الذي يقبل بأن يجلس في منزله ويراجع نفسه وأخطاءه ويترك المناصب التنفيذية التي تقود إلى الاحتكاك والعراك، ولذلك أسس حزبا اخر باسم المؤتمر الشعبي وبدأ يناكف الحكومة والمؤتمر الوطني فيتصل بالحركة الشعبية في الجنوب التي يقودها جارانج ويتصل بالمتمردين في دارفور. ضعف وزن الجبهة في الداخل لأن كل فريق يحاول أن يتقوى بالاخرين ضد أخوانه مهما كان ذلك بعيدا عن القيم الاسلامية.
يصف استاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم شخصية الترابي: "وكان هذا هو منهج الشيخ في مراحل مختلفة، أن يستعين دوما على خصومه أو منافسيه بفئة تكون أصغر عمرا وأكثر حركة ونشاطا، وتتمتع بطموحات عالية وسذاجة سياسية" (1) وعند الحاجة ينشئ الترابي قطاعات معينة ويضع لها دستورا ويختار هو المسؤولين عنها ليبعدهم عن القرار ، ولذلك عندما شعر بكبر حجم نائبه في التنظيم دفع به الى وزارة ذات اسم رنان صيغت خصيصا له ، ولكن نائبه قام بالإنقلاب عليه ( هو الذي علمهم الإنقلابات ) وهو الذي يريد من البشير أن يكون محمد نجيب السودان . " والحقيقة أن أحد الأسباب الرئيسية التي أفقدت الترابي عددا كبيرا من قيادات الحركة الإسلامية هو مقدرته الفذة في تسفيه آرائهم والسخرية من مقدراتهم ،ويحلو له أن يفعل ذلك أمام جمع من الناس " (2) وهذا ماأدى الى انحياز أغلب القيادات بما فيهم تلاميذ الترابي الى جانب السلطة ، وكانت ردة الفعل عنده أن تحالف مع أشد الناس عداوة للحركة الإسلاميه .
ورغم هذا الإنشقاق الداخلي ورغم الضغوط الخارجية من الدول الغربية ومن بعض الدول العربية فأن ثورة الإنقاذ استطاعت الإستمرار ، وفي البداية استطاعت أن تهزم الحركة الشعبية الجنوبية التي أنهكت الدولة في السودان منذ عام 1955 ، هذه الحركة وبقيادة (جون قرنق ) لم تكن تخطط للإنفصال ولكن للسيطرة على كل السودان وبمساعدة بعض الشماليين من أحزاب المعارضة لتكون دولة علمانية اشتراكية ، ويتنازل الشمال عن هو يته العربية الإسلامية . كما اتخذت حكومة الإنقاذ برنامجا اقتصاديا واضحا يقوم على تشجيع الإنتاج الزراعي ، ووسعت قاعدة التعليم العالي إذ فتحت سبع جامعات جديدة في الأقاليم ، وتبنت الحكومة سياسة تعريب المناهج وحاربت مظاهر التفسخ الأخلاقي .
حكمت السودان بعد استقلاله أنظمة ليبرالية وعسكرية لم تعطه الإستقرار ولم تتجاوب مع رغبة الأكثرية في تطبيق الإسلام (عدا عن محاولة النميري التي لم تكتمل وربما لم تطبق بالطرق الصحيحة ) وجاءت حكومة الإنقاذ محاولة لتجربة جديدة ونظام سياسي جديد فهل نجحت بعد عقدين من الزمن ؟
لا شك أن الآمال والتنظير لا يوافق عادة الواقع العملي عندما تشتبك الحكومة في مشاكل الناس أو التوقي من الضغوط الخارجية، وطبيعي أن رجال الجبهة الذين هم من أسس السلطة التنفيذية سيقولون هذا الشيء ويقدمون شتى الاعذار عن التقصير والواقع... ولكن هناك ثغرات كبيرة يجب ألا تقع فيها حكومة الانقاذ مثل محاباة الأتباع في التوظيف والترقي، وهذا سيحرمهم من أهل الكفاءة والذين هم على دين وخلق وحصيلة جهود وخبرات.
وكذلك اعتماد الحكومة المبالغ فيه على الأمن والاعتقالات غير المبررة، وإن تجربة الحكومات السابقة لتدل على أن الاستماع للرأي المخالف وخاصة من أهل العلم والدعوة يعطي مزيدا من الاستقرار والاطمئنان، ويتكتل الناس حول الدولة.
لم تستطع الحكومة إعطاء مشكلة دارفور الاهتمام الذي ينبغي قبل أن تتفاقم الأمور وتصبح مشكلة دامية مثل مشكلة الجنوب ويستغلها الغرب ليحاصر السودان، ويعطي الميررات لدخول عشرات الجمعيات التبشيرية باسم الجمعيات الخيرية.
إن مشكلة دارفور لا تحل بمؤتمرات صلح بين القبائل أو بتعيين بعض أبناء دارفور في مواقع المسؤولين إن الحكومة تتجاهل البعد السياسي للمشكلة، وأما مشكلة الجنوب فهي أخطر وأعظم، والغالب أن الجنوب يسير نحو الانفصال، وقد ارتكبت حكومة الانقاذ (تلاميذ الترابي) خظأ فادخا حين ظنت أن المشكلة تحل عن طريق المناورات السياسية، أو كسب بعض الانتهازيين من ساسة الجنوب. إنه استهتار بالخصوم وهذا من علامات الفشل السياسي، وإن انسحاب الجيش السوداني قبل إجراء الاستفتاء لا يدل على حصافة سياسية. ومن الواضح أن أمريكا والغرب يدعم انفصال الجنوب فلماذا لم يتنبه إلى هذه القضية، هل الذي خطط ووقع على اتفاقية (نيفاشا) المشؤومة لا يعرف كيف يفكر الغرب؟
وأخيرا لا بد من السؤال الأهم: لماذا لم ينص الدستور على مادة ملزمة لسيادة الشريعة، ويدأ التطبيق ولو تدريجيا، وبعد تهيئةالناس والاهتمام بالبنية التحتية وإذا كان القصد ارضاء الجنوبيين، فهذا لا يوجد في أرقى الدول الديمقراطية، أعني تغلب الأقلية على الاكثرية. صحيح أن حكومة الانقاذ أنشأت بعض الأجهزة التي ترعى حماية الشريعة، وأصدرت عددا من القوانين المنبثقة عن تعاليم القرآن والسنة، وتحدثت عن الاسلام الدين الهادي للسواد الغالب للمجتمع، ولكنها لم تلزم نفسها بمادة دستورية تنص على سيادة الشريعة الاسلامية، مع أنه كان شعار الحركة قبل دخولها الحكم.
وكذلك النظام السياسي، كيف سيتقرر، ما هي قواعد الاختيار، كيف تكون المشاركة، ما دور العلماء والمفكرين وزعماء الاقاليم، أسئلة لا بد منها إذا كانت حكومة الانقاذ تريد أن تستمر قوية.